«الانتخابات والذاكرة الجمعية للنشاط السياسي في الأردن»

عبدالله الجبور: «الانتخابات والذاكرة الجمعية للنشاط السياسي في الأردن»

نتيجة فرض الأحكام العرفيَّة في نيسان (1957)؛ تجمَّد قانون الأحزاب السياسيَّة في الأردن، وبدأت ملاحقة المعارضة التي لجأت إلى النشاط السياسي السري، وتلاشت بذلك التّنظيمات الطلابيَّة التي انتقلت للنمو والتشكُّل خارج الأردن، وبعد مضي 32 عام، تحديدًا في نيسان (1989)؛ ساهمت احتجاجات الجنوب الشعبيَّة فيما يعرف أردنيًا بـ “هبَّة نيسان” بإنهاء العمل بالحكم السياسيّ العسكريّ، وإعلان عودة الحياة السياسيَّة الحزبيَّة، وبدأت تتشكَّل النقابات ومنظمات المجتمع المدنيّ، وانطلقت بذلك مسيرة التحول الديمقراطي الأردني التي استمرت نحو 32 عام آخر دون الوصول إلى نتائج حقيقيَّة حاسمة لمسيرة الإصلاح السياسي، مع الاكتفاء بإصلاحات «مؤسسيَّة شكليَّة حذرة»، تخلو من الجدية والمنهجيَّة في تقييم عملية النمو والتقدّم الديمقراطي المنشود، بدأت هذه الإصلاحات بشكل ملحوظ في العام (2011)، حيث شهد الأردن في تلك الفترة؛ تعديلات على الدستور وتأسيس أول حزب شبابي ومحاولة للفصل بين السلطات، وطرح رؤية إصلاحية للحالة السياسية قادها الملك من خلال أوراق للنقاش، أخفقت الحكومات المتعاقبة في نقل محتوى الأوراق إلى برامج عملية حيوية ومستدامة، تخدم مسيرة التجدد الديمقراطي التي دعى إليها الملك.

نتيجة ذلك، صعدت حالة اللاثقة بمؤسسات الدولة، التي يجدها المواطن لا تبادله الثقة أيضًا، بالتالي اتسعت الفجوة وبرز مفهومي «الدُّولة والدَّولة» على حد تعبير الباحث الأنثروبولوجي أحمد أبو خليل، الذي فرّق بشكل جيد بين المفهومين من داخل ذهنية المواطن عن شكل ومرسوم الدولة، الأول مفهوم شعبي بسيط يتمثل بالقوة وأرستقراطية المناصب والسلطة، والثاني هو المفهوم السياسي الحديث الذي تدركه نخب المثقفين والمنشغلين بالشأن العام حتى وإن اختلفت في تعريفه

مشهد الانتخابات البرلمانيَّة

جرت الانتخابات البرلمانيَّة في الأردن وسط تحديات كبيرة تعيشها المملكة، في مقدمتها الانتشار والتفشي المجتمعي لوباء كوفيد19 الذي أنهك جسد الدولة صحيًا، ولا تزال تداعياته ترسم تحديات اقتصاديَّة واجتماعيَّة على المواطنين خصوصًا في ظل ارتفاع غير مسبوق لمعدل البطالة الذي وصل في الربع الثاني من العام 2020 إلى 23% ، وبالتوازي مع صعود حالة اللاثقة المتزايد التي يعيشها المواطنين تجاه المؤسسات الرسمية. كل هذه العوامل؛ انعكست على نسبة المشاركة في العملية الانتخابيَّة التي تراجعت وبلغت نسبة الاقتراع فيها (29%) مقابل (36%) في انتخابات 2016  

  1. قبل الانتخابات النيابية:

رافق الإعلان عن موعد الانتخابات البرلمانية تولي حكومة جديدة في ظل تراكم الأولويات، على المستوى الخارجي والداخلي، وفي ظل العمل بقانون الدفاع الذي حاولت الحكومة من خلاله الحد من التجمهر خلال فترة الانتخابات لمعرفتها خصوصية التجمهر وأثرها الصحي، فبادرت إلى إعلان متأخر عن إغلاق  للبلاد مدته 4 أيام، أربك المواطنين، خصوصًا المتأثرين بتداعيات كورونا من عمال المياومة والقطاع الخاص والموروث الاجتماعي لحالة الإغلاق العام.

  1. خلال الانتخابات النيابية:

لا تزال حالة اللاثقة بالمؤسسة العامة، تسود خصوصية المواطنة في الأردن، يرافق هذه الإشكالية بروز الذاكرة الجمعية للأحكام العرفية في وقت الحديث عن العمل الحزبي والمشاركة السياسية الفاعلة، حتى بعد مرور 33 عام على إنهائها وبدء العمل بمسار التحول الديمقراطي الذي يشهد محطات وإنجازات لم تجد قبول واقتناع من قبل المواطن من جهة، ولم تجد فرصة لمراجعتها وتقييمها من جهة أخرى، بالتالي كان مشهد التزاحم على طوابير الخبز يتصدَّر مشاهد الإقبال المتواضع على صناديق الاقتراع، تليه انتشار فيديوهات شراء الذمم واستغلال حاجة المواطنين لعملية التموين ومواجهة الإغلاق العام.

  1. بعد الانتخابات النيابية:

تأثرت مخرجات العملية الانتخابية بالعوامل المذكورة سابقًا، وبلغة الأرقام؛ تراجع الإقبال على المشاركة في الانتخابات بمقدار 7% مقارنة بانتخابات الدورة السابقة، وكعادتها تشهد مناطق الأطراف من إقليمي الشمال والجنوب اقبالًا على المشاركة في الانتخابات بمعدّل وصل إلى الضعفين بالرغم من ضعف التواجد الحزبي وتراجع برامج التمكين السياسي مقارنة بالعاصمة ومحافظات الوسط، وقد صل 100 أسم جديد من أصل 130؛ لم يكن موجود في المجلس السابق، وبلغة الأرقام نتج مايلي:

  • تراجع التمثيل النسائي:

تشير نتائج الانتخابات إلى تراجع التمثيل النسائي في مجلس النواب التاسع عشر، وتوقف الاتجاه التصاعدي في حصول النساء على مقاعد نيابية من خلال التنافس، حيث لم تحصل أي سيدة على مقعد تنافسي ولأول مرة منذ المجلس الخامس عشر عام 2007، بالرغم أن 52% من جداول الناخبين إناث، لكنهن شكلن 46% من أعداد المقترعين، ر يشير تحالف “عين على النساء” التابع لمعهد “تضامن النسائي الأردني” إلى أن تراجع تمثيل النساء في مجلس النواب وصلت 11.5%، فيما كانت نسبة تمثيليهن في مجلس النواب الثامن عشر 15.4% (وهي أعلى نسبة تمثيل نسائي على الاطلاق)، ويتوقع التحالف بأن يتراجع مركز الأردن عربياً وعالمياً على مؤشر مشاركة النساء في البرلمانات والذي يصدره الاتحاد البرلماني الدولي.

ووفقاً لهذه الأرقام، فإن انتخابات مجلس النواب التاسع عشر شهدت انخفاض نسبة اقتراع النساء عن نسبة اقتراع الذكور على الرغم من أن أعداد الناخبات تفوق أعداد الناخبين الذين يحق لهم الاقتراع

  • مشاركة الشباب:

تعتبر الأردن دولة فتية، يشكل الشباب ممن هم دون سن 30 عام مانسبته 70% بن السكان، وبالرغم من أن ثلث عدد الناخبين هم دون سن 35 عام تقريبًا، فقد وصل إلى مجلس النواب (10) أشخاص من هذه الفئة،  3 منهم في سن  32.

ونحن على أعتاب مئوية جديدة للدولة؛  يمكن تشخيص الحالة السياسية الأردنية بالفوضى والفردانية التي تفرض التخلف السياسي،  وفي الحديث عن أهمية الانتظام السياسي والانتقال من الفردانية إلى القنوات؛ تعود الذاكرة الجمعية للنشاط السياسي، لتشكل حاجزًا معطلاً  أمام الإندماج السياسي المدني الذي تحتاجه الدولة، وعليه؛ نحن بأمس الحاجة إلى إصلاح سياسي حيوي، مرجعيته الإرادة والوعي، تبدأ أولى خطواته بالفصل الحقيقي الدائم بين السلطات.

عبدالله الجبور – باحث وكاتب

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى